من الغريزة إلى الذات: الجزء الثاني
أحدثت نظرية رونالد فيربيرن للعلاقات الموضوعية، التي نُشرت لأول مرة في أربعينيات القرن العشرين، ثورة في التحليل النفسي. ففي مقابل رأي فرويد القائل بأن الدافع النمائي ينشأ بشكل شبه حصري من داخل الفرد، جادل فيربيرن بأن حاجة كل شخص الأساسية للعلاقات تُنظّم النمو وتقلباته. وفي السنوات اللاحقة، ودون الإشارة إلى فيربيرن في كثير من الأحيان، أصبحت نظرية العلاقات الموضوعية محورية في الفكر التحليلي النفسي ومصدرًا لأبحاث الطفولة الحديثة، ونظرية العلاقات، ودراسة التفكك وتعدد الشخصيات، والعلاج النفسي التحليلي الأسري، وتقنية العلاج النفسي التحليلي.
![]() |
| من الغريزة إلى الذات: الجزء الثاني |
نظرية فيربيرن
استندت نظرية فيربيرن إلى خبرته الواسعة والمتنوعة، والتي كانت غير مألوفة في عصره، وشملت حصوله على شهادات في الفلسفة والطب من جامعة إدنبرة، حيث درّس لاحقًا الفلسفة وعلم النفس الطبي من عام ١٩٢٧ إلى ١٩٣٥. وقد شكّلت قراءته المتعمقة لأعمال فرويد وخبرته السريرية مع الأطفال ضحايا الاعتداء، والمتحرشين جنسيًا، وعُصاب الحرب، فضلًا عن البالغين المصابين بالعُصاب، أساسًا لإعادة توجيه التحليل النفسي نحو دراسة العلاقات. ويتمحور جوهر نظرية فيربيرن حول مفهوم العلاقات الداخلية الديناميكية بين الذات وموضوعاتها، والتي تُضفي معنىً على التجربة. وقد اعتقد فيربيرن أن الرضع يتعاملون مع الإحباط والرفض والصدمات النفسية من خلال الاستبطان وتجزئة الموضوع. وتؤثر مصفوفة العلاقات الداخلية الديناميكية الناتجة، والتي تُشكّل جزءًا من تكوين كل إنسان، تأثيرًا عميقًا على السلوك والتفاعل بين الأشخاص في العالم الخارجي.
أبرز نقاط نظرية فيربيرن:
البحث عن الموضوع (Object-seeking): يرى فيربيرن أن الليبيدو لا يبحث عن المتعة، بل يبحث عن علاقة مع "موضوع" (آخر/أم).
البنية النفسية والانقسام: يرى أن نفسية الطفل تنقسم بسبب تجارب الإحباط أو الصدمات (مثل تجاهل الوالدين) إلى:
الأنا المركزية (Central Ego): واعية ومتكيفة.
الأنا الليبيدية (Libidinal Ego): ترتبط بالموضوع "المُرضي" (الجانب المحب من الأم).
الأنا المضادة للرغبة الجنسية (Antilibidinal Ego): ترتبط بالموضوع "الرافض" (الجانب المحبط من الأم).
اللاجنسي كذكريات صدمة: يعتبر فيربيرن أن اللاشعور ليس بيولوجياً، بل هو تجمع لذكريات الصدمات وتجارب الرفض/الإحباط التي حدثت في الطفولة.
أهمية العلاقات المبكرة: الطفل في حالة اعتماد مطلق على والديه، والصدمات الناتجة عن سوء المعاملة أو الإهمال تؤدي إلى هيكلة الأنا بناءً على تلك العلاقات المؤلمة.
التطبيق السريري:
تستخدم نظرية فيربيرن في العلاج النفسي لفهم كيف يقوم المرضى بإعادة تمثيل علاقاتهم الداخلية الماضية في الحاضر، بهدف دمج أجزاء الأنا المنقسمة لتكوين شخصية أكثر تكاملاً
التحليل النفسي التطبيقي
يتألف المجلد الثاني من أوراق بحثية ومحاضرات مبكرة غير منشورة، بالإضافة إلى أوراق بحثية حول التحليل النفسي التطبيقي. وتُرسّخ هذه الأوراق البحثية إسهامات فيربيرن المبكرة في مجال البحث العلمي قبل ظهور نظرية العلاقات الموضوعية، وفهمه للتطبيقات الواسعة للتحليل النفسي في علم نفس الفن، والقضايا الاجتماعية، والتعليم، والرعاية الصحية الأولية.
اقرأ أيضا:
